الثعلبي

303

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

قال المفسّرون : لمّا خلق الله عزّ وجلّ آدم مسح ظهره وأخرج منه ذريته كلهم وهي الذرية واختلفوا في موضع الميثاق . فقال ابن عباس : يسكن نعمان واد إلى جنب عرفة ، وروي فيه أيضا أنّ ذلك [ برهبا ] أرض بالهند وهو الموضع الذي أهبط الله فيه آدم صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وقال الكلبي : بين مكّة والطائف . وقال السدي : أخرج الله آدم من الجنّة ولم يهبط من السماء ثمّ مسح ظهره وأخرج ذريته . قالوا : فأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء فقال لهم : ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال . وأصحاب المنامة . وقال لهم : جميعا أعلموا أن لا إله غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئا فإنّي مرسل إليكم رجالا يذكرونكم بعهدي وميثاقي ومنزل عليكم كتاب فتكلّموا وقالوا : شهدنا بأنك ربنا وإلهنا ولا رب لنا غيرك ، فأقرّوا يومئذ كلهم طائفة طائعين . وطائفة على وجه التقدير تقيّة ، فأخذوا بذلك مواثيقهم وسمّيت آجالهم وأرزاقهم وحسابهم فنظر إليهم آدم ، ورأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك ، فقال : رب لولا سويت بينهم ، فقال : إنّي [ أحببت أن ] أشكر « 2 » . قالوا : وفيهم الأنبياء يومئذ أمثال السرج فرأى آدم نورا ساطعا فقال : من هذا ؟ فقال : هذا داود نبي من ذريتك قال : كم عمره ؟ قال : ستّون سنة قال : رب زده . قال : جرى القلم بآجال بني آدم ، قال : رب زده من عمري أربعين سنة ، فأثبت لداود أربعين وكان عمر آدم ألف سنة ، فلما استكمل آدم تسعمائة وستين سنة جاء ملك الموت ، فلما رآه آدم قال : مالك ؟ قال : استوفيت أجلك ، قال له آدم : بقي من عمري أربعون سنة ، قال : أليس قد وهبتها لداود ؟ قال : لا فجحد آدم ، فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته ، وخطأ فخطئت ذريته ، فرجع الملك إلى ربه فقال : إن آدم يدعي أنه بقي من عمره أربعون سنة ، قال : أخبر آدم أنه وهبها لابنه داود ( عليه السلام ) والأقلام بطيئة فأثبتت لداود ، فلما قررهم بتوحيده وآثر بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتّى يولد كل من أخذ ميثاقه ولا يزداد فيهم ولا ينقص عنهم ، فذلك قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ونظم الآية : وإذا أخذ ربّك من ظهر بني آدم ذريتهم ، ولم يذكر أمر آدم فإنما أعرجوا يوم الميثاق في ظهره ، لأن الله عزّ وجلّ أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء ، فاستغنى عن ذكر

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 7 / 316 ، وراجع الدر المنثور : 1 / 55 . ( 2 ) راجع تاريخ دمشق : 7 / 398 .